«وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ» ( يو 3: 14 )
لقد رفع موسى الْحَيَّةَ طبقًا لتعليمات من الرب، وابن الإنسان مَنْ رفعه؟ وبموجب أية تعليمات؟ أما أولاً، فالأُمَّة بأكملها هي التي رفعته على الصليب كقوله له المجد: «مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ» ( يو 8: 28 )، وفي نفس الإنجيل نرى الرب يرفع نفسه من نفسه «وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ»، لا جميع الناس، الأمر الذي لم يحدث، بل جميع الأشياء بحق موته. والمقصود ليس ارتفاعه إلى المجد، لأننا نقرأ للبشير التعليق الذي ينفي هذا الرأي: «قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ» ( يو 12: 32 ، 33).
«وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ»؛ هي شبه حيَّة، هي حيَّة من نحاس خالية من سم الحيَّات، هي حيَّة من صنع الإنسان، ولو بمقتضى تعليمات الرب، أما ما نقرأه هنا فإن المرفوع هو “ابْن الإِنْسَان”. ومَنْ هو “ابْن الإِنْسَان”؟ سؤال قدمه الرب للتلاميذ فأجاب بطرس: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». يا للعجب! يا لعجب النعمة! يا لعجب مشورات الله الحكيمة للفداء!
إن الْحَيَّة، لم تكن لها إرادة، هي جماد، أما “ابْن الإِنْسَان” فله مشيئته الخاصة «يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ»! كان الرب قد قال لمُعلِّم إسرائيل: «لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ»؛ ذلك أمر محتوم ولا مفر منه لكل مَنْ يريد أن يدخل ملكوت الله. أما سيدنا فلماذا «يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ»؟ ما الذي جعله أمرًا محتومًا ولا مفر منه؟ هو: عدم هلاكك وهلاكي يا أخي. لقد قرَّر الرب بنفسه أن ينتشلنا من “جوف اللهيب”، لقد أراد لك ولي، ليس فقط أن لا نهلك، بل أكثر من ذلك أن “تَكُونُ لَنَا الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ”، لا الحياة المادية كتلك التي حظي بها كل مَنْ رفع عيني الإيمان صوب “الراية” وما عليها، بل “الْحَيَاة الأَبَدِيَّةُ”.
الكاتب: أديب يسى
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية