‫دَاوُد ونكران الذات‬

‫«يَا رَبُّ، لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي، وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ، وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ، وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي »‬‫ ( مز 131: 1 ) ‬

‫يا لروعة ما تحلَّى به داود من نكران للذات، وقد تمكَّن من إغاثة الملهوف وإنقاذ المظلوم! فيوم إن استطاع أن يُخفف عن شاول وطأة الروح الرديء بمهارته في الضرب على العود، وبعد ما كان الروح الرديء يفارق الضحية، كان داود يحمل العود راجعًا به سهول بيت لحم ليهنأ بخلوة الشركة مع الرب، بطريقة لم تكن ميسورة له في زحمة البلاط الموبوء. وبعد القضاء على جليات وهزيمة الفلسطينيين، لم يسعَ إلى التكريم الذي كان قد سمع به، ولم يتذمر لأن الوعود الملكية لم تتم، بل عاد - وفي ذات هدوء البساطة - واستأنف رعاية غنم أبيه. هل يرتاب أحد منا في أن يكون مثل هذا الرضى وتلك الوداعة حسب قلب الله؟ أليس هذا تنفيذًا لمشيئته؟ ( أع 13: 22 ).‬ ‫وخذ مثالاً آخر: مسلك أليآب الساخر يوم اتهمه بالكبرياء وشر القلب، زاعمًا أنهما الباعث الذي أتى به إلى المحلة، هل أثار فيه هذا المسلك تبرمًا وأنينًا؟ هو بكل بساطة يجيب أخاه: «مَاذَا عَمِلْتُ الآنَ؟ أَمَا هُوَ كَلاَمٌ؟»، ثم «تَحَوَّلَ مِنْ عِنْدِهِ»! إن هدوء الروح هذا، في لحظة الإهانة غير المألوفة، لم يكن طبيعيًا ومألوفًا منه، فهو في ذلك واحد مثلنا، تحت نفس الآلام والانفعالات. وإليك عيِّنة يوم استثارة نَابَال، فقد أطلّ طبعه المُتقد من خلال تلك الإثارة؛ توقَّد غيظًا، وكان يوشك أن ينتقم نقمة عارمة، لو لم تُقيده أبيجايل في تبكيت حكيم لطيف (1صم 25). ونفهم من مزمور19: 13 مدى إحساسه بناحية الضعف هذه حين يقول: «أَيْضًا مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ (أو الكبرياء) احْفَظْ عَبْدَكَ، فَلاَ يَتَسَلَّطُوا عَلَيَّ. حِينَئِذٍ أَكُونُ كَامِلاً وَأَتَبَرَّأُ مِنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ». فقد أدرك أن سلسلة خطايا الكبرياء تنتهز كل فرصة لفرض سيطرتها.‬

الكاتب: ‫ماكنتوش‬

تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية