«حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ» ( مت 27: 38 )
لقد أراد الأشرار أن يُضيفوا إلى مرارة صلب المسيح مرارة وعلقمًا، فوضعوه في مستوى المجرمين، وصلبوه مع المذنبين. لم يريدوا أن يعتبروه محكومًا عليه بتهمة مختلفة، فصلبوه مع اللصوص القتلة، بل واعتبروه كأنه زعيمهم، فصلبوه في الوسط!
واللصان، نظرًا لتشابه جريمتهما، بل وربما لاشتراكهما معًا في الجريمة ذاتها، كان المفروض أن يُصلبا متجاورين، وأن يُصلب المسيح في مكان منفصل، فتهمته التي لفقوها له تهمة مختلفة تمامًا، لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالسرقة. إلا أن الأشرار قصدوا بهذا التصرف التشهير بالمسيح، فصلبوه وسط اثنين من اللصوص. وهم فعلوا ما فعلوا، لا بدون وعي أو قصد، بل بحقد مكين وخبث دفين.
إن ذاك الذي فوق جبل التجلي ظهر بمجد مع رجلين، كرمتهما السماء، ها هو يُصلب بخزي مع لصين مذنبين لفظتهما الأرض! وإن كان الآب - فوق الجبل - رفض مقارنته بأفضل القديسين، فإن البشر هنا ساووه بأردأ المجرمين!
لقد كان أولئك الأشرار الأردياء في هذا الأمر - كما في كل ما يختص بمسألة الصليب - يتممون كلام النبوة رغمًا عنهم. وفي هذا يعلق مرقس البشير على ذلك قائلاً: «فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ»، مشيرًا إلى ما ذكره إشعياء 53: 12. ومن هذا نحن نتعلَّم أن النبوة تتم حرفيًا، في أدق التفاصيل. وليس كما يظن البعض ويريدون أن يوهمونا، أن النبوة تتم روحيًا. أمر يقييني نتمسك به ولا نتازل عنه، أن كلام الله هو من الدقة المتناهية في أكبر المسائل كما في أبسطها.
الكاتب: يوسف رياض
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية