« اِصْرِفْهُمْ ... فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا» ( مر 6: 35 -37)
أراد له المجد أن يُشرك تلاميذه معه في إحدى خدمات محبته. وفي الحق، لقد كانوا دون مستوى الامتياز الممنوح لهم. لم يكن لهم القلب المتسع للجموع الجائعة. كما لم تكن لهم دراية صحيحة بقلب المعلِّم العظيم الذي منحهم ذلك الشرف. لقد روعهم منظر الجموع الغفيرة، وأذهلهم مشهد الموضع الخلاء، وما فكروا إلا في ذواتهم، وفي الصعوبات التي بدت غير ميسور مغالبتها. أما مجده فلم يروه، وعجز إيمانهم عن الارتفاع إلى مستوى المهمة الموكولة إليهم. وكأني بذلك التساؤل القديم بعينه، الذي قدمه عدم الإيمان في تاريخ سالف، عاد ليُكرِّر نفسه: «هَلْ يَقْدِرُ اللهُ أَنْ يُرَتِّبَ مَائِدَةً فِي الْبَرِّيَّةِ؟» ( مز 78: 19 ). لكن كانت كلمة الرب لهم: «أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا».
ولكنهم اعترضوا قائلين: «أَنَمْضِي وَنَبْتَاعُ خُبْزًا بِمِئَتَيْ دِينَارٍ وَنُعْطِيهُمْ لِيَأْكُلُوا؟». وعجيب جدًا أن نرى نعمته التي تسامت فوق جهلهم وعدم إيمانهم، ودفعتهم دفعًا في غمار خدمة كانوا متباطئين متخاذلين عنها. على أنه لا بد من إطعام “المساكين”، ولزام على التلاميذ أن يعدوا لهم.
قال لهم الرب: «كَمْ رَغِيفًا عِنْدَكُمْ؟ اذْهَبُوا وَانْظُرُوا». وسرعان ما أجابوه بعد البحث «خَمْسَةٌ وَسَمَكَتَانِ». وفي إنجيل آخر تضاف هذه العبارة «وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ؟» ( يو 6: 9 ). ذلك هو عجز عدم الإيمان ولكن سيدنا لم يشأ أن يناقشهم، وإنما «أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْجَمِيعَ يَتَّكِئُونَ رِفَاقًا رِفَاقًا عَلَى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ. فَاتَّكَأُوا صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ». وبعد شكره على الخبزات والسمكتين كسَّر وأعطى تلاميذه ليقدموا إليهم.
آه ... ليتنا نتنبَّه أكثر إلى امتياز خدمة شعب الرب وفي سعينا لتعظيم اسمه الكريم نستمد من قوته بطريقة تجعله، هو وحده، مصدر خدمتنا وقوتها.
الكاتب: بللت
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية