‫مُقَابِلَةٌ فِي الْبَرِّيَّةِ‬

‫«قُمْ وَاذْهَبْ ... عَلَى الطَّرِيقِ ... إِلَى غَزَّةَ الَّتِي هِيَ بَرِّيَّةٌ»‬‫ ( أع 8: 26 ) ‬

‫ربما استغرب فِيلُبُّس أن يُطلَب منه أن يترك عملاً ناجحًا في مدينة مزدحمة بالسكان، ويذهب إلى الطريق البرية المؤدية إلى غزة، ولكنه أطاع حالاً. لم يعرف لماذا أُرسِلَ إلى هناك، ولكن مع هذا لم يرتبك أو يتأخر عن الذهاب. يجب أن نكتفي في طريقنا برؤية الخطوة التالية فقط «لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعَيَانِ»  ( 2كو 5: 7 )، لأننا لا نعرف ماذا ينتج من أعمالنا، وإنما نحن نُعطى نورًا كلما تقدمنا في طريقنا.‬ ‫لا شك أن فِيلُبُّس بينما كان يسير في الطريق إلى غزة كان يفكر فيما عسى أن يجده هناك. وعندما وصل أخيرًا إلى تلك البقعة الموحشة كان يُصوِّب نظره إلى هنا وهناك، لعله يرى تفسيرًا لهذا الطلب الغريب، ولكن القلب المُطيع لا يتركه الله طويلاً في حالة الحيرة، بل يرشده إلى ما فيه سكونه وراحته.‬ ‫وقول لوقا «وَإِذَا» (ع27) يُبين أن موكب الوزير ظهر فجأة «وَإِذَا رَجُلٌ حَبَشِيٌّ خَصِيٌّ وَزِيرٌ ... كَانَ رَاجِعًا وَجَالِسًا عَلَى مَرْكَبَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ». يرجح أن الوزير كان يسير في موكب من الأتباع يليق بمقامه، مما جعله يظهر من بعيد. وفِيلُبُّسُ لم يعرف بالطبع مَن هو هذا الرَجُل عندما وقع نظره عليه، ولكن لوقا يذكر وظيفته لكي يظهر سمُّوها، مما يُعطي أهمية لحديثه مع فِيلُبُّس.‬ ‫إن التقاء هذين الشخصين اللذين قاما من جهتين متباعدتين، وكل منهما يجهل الآخر تمامًا، بل ويجهل الغرض الذي من أجله تلاقيا، يُعلن إعلانًا صريحًا أن يد الله كانت تعمل في الأمر، فحركت كلاً من الرَّجُلين في طريقه، وأحدثت هذا التقابل في الوقت والمكان المناسبين. وكيف اتفق أن في هذه اللحظة كان هذا الحبشي يقرأ هذه الكلمات دون غيرها من سفر إشعياء؟ حقًا إن هذه المصادفات لغز لا يستطيع حَلُّه مَن ينكر أن العناية الإلهية تُكيّف طرقنا وكل أمورنا.‬

الكاتب: ‫ج. ر. ميلر‬

تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية