«هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» ( يو 3: 16 )
إننا نحن الذين آمنا، وصارت لنا حظوة أولاد الله، من حقنا أن نفرح لأن “الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّنَا”، لكن الذي “أَحَبَّ الْعَالَمَ” هو “الله” القدوس، الله العادل، ومع كل هذا فقد “أَحَبَّ”؛ لم يُحبّ اليهود دون الأمم، لم يُحبّ مَنْ حسنت أخلاقه دون مَنْ ساءت، بل أحبَّ الجميع، كل البشر الذين “تَصَوُّر قُلوُبَهم شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِم”. ولئن لم يكن لهذه المحبة حدود، نظير الله غير المحدود، فإن لها وزنًا يذكره «اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ». وذلك الوزن أو الميزان بكفتيه هما: «هكَذَا» ثم «بَذَلَ». إنها حقًا أسمى من أن نُدركها، فالابن المجيد صاحب التعليم الذي “للآب” لم يشأ أن يصف لنا هذه “السنجة” التي هي بحق “شَاقِل الْقُدْس”، مكتفيًا بالمقولة السامية «هكَذَا». كأن لغة البشر تعجز عن وصف هذه المحبة، وكأن قاموس البشر لا يضم تعريفًا لها أو شرحًا.
ويقول واحد إن هذه المحبة ليست نفخة بل نفحة، ليست تعبيرًا، بل عبيرًا، ليست نشوة بل فروسية، ليست متعة وقتية عابرة، بل هي أمانة حتى الموت. ويقول الكتاب المقدس عن المحبة، أية محبة: «الْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ».
تلك هي “السنجة”، فما هو في الكفة المقابلة؟ «بَذَلَ». لنرسم الميزان بكفتيه: «هكَذَا» حتى «بَذَلَ». ولئن كان الكلام عندنا كثيرًا عن «هكَذَا» فماذا عندنا إزاء «بَذَلَ»؟ يقول أحد الكتاب: إن الأصل اليوناني لهذا اللفظ «بَذَلَ» يعني: “تفريغ الضغط”، أي أن محبة الله كانت متأججة في صدره - تعالى اسمه - عن تعبيراتنا، ضاغطة تريد أن تنفِّس عن ذاتها فلم يكن إلا البذل منفذًا لذلك الضغط. نعم، فبعد أن «بَذَلَ» «الله» «ابْنَهُ الْوَحِيدَ» «سَكَنَ فِي مَحَبَّتِهِ».
الكاتب: أديب يسى
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية