« بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ» ( عب 11: 24 )
مُوسى لمَّا كَبِرَ، وصار عظيمًا، وبلغ من العمر أربعين سنة، أخذ أخطر قرار في الحياة، وتحمَّل كُلَّ تبعاته. فأبى أن يُدعَى ابن ابنة فرعون. لقد ضحَّى باللقب الملكي، ورفض العرش الملكي، والقصر الملكي، والثروة والخزائن الملكية، وكل ما يشتهيه القلب البشري الطبيعي. وماذا اختار؟ لقد اختار أن يُذَلَّ مع شعب الله. كان ذلك قرارًا إراديًا دون أن يُجبِرَه أحدٌ على ذلك. ولم يكن ذلك تهورًا واندفاعًا وحماسة شباب، كلا البتة. بل كان قرار الناضجين، قرارًا مبنيًا على حسابات دقيقة، هي حسابات الإيمان التي لا يفهمها العالم. لقد قنع وفضَّل أن يحتمل عار المسيح، واعتبره غِنىً أعظم من كل خزائن مصر. ليس أنه احتمل مُتضرِّرًا الذُّل مع شعب الرب، بل فضَّل ذلك، وكان فخورًا به ككنزٍ ثمين. لقد أظهر تكريسًا حقيقيًا، وأخذ موقفًا صلبًا في صف الله، ضد نفسه ورغباته الطبيعية، وضد العالم بمبادئه وثقافته وإغراءاته. لقد تدرَّب على إماتة ذاته ورغباته، وكان يعيش في عالمٍ آخر يختلف عما يراه حوله في قصر فرعون. وكان ذلك هو سلوك الإيمان وليس العيان. ودائمًا تصرُّف الإيمان غير منطقي إطلاقًا أمام نظرة العيان. وما شجَّعه على ذلك أنه كان ينظر إلى المجازاة، ويمد البصر بعيدًا جدًا. فالإيمان يَرى الأمور التي لا تُرَى، ويتطلَّع إلى كرسي المسيح.
كان من الممكن أن يُساعد إخوته وهو في القصر، ويستخدم كل إمكانيات القصر لحسابهم. ولقد أوصلته العناية الإلهية لمركز رفيع، لكن الإيمان يسمو فوق أعمال العناية، ويرى الأمور كما يراها الله. لقد بدأ بالقصر وانتهى بالفقر. وهو عكس يوسف الذي بدأ بالذُّل وانتهى بالعرش. واستخدم إمكانيات العرش لخدمة إخوته. وكلٌّ منهما كان صحيحًا في تصرُّفِه حسب قصد الله وخطته له.
الكاتب: محب نصيف
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية