«وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً» ( يو 4: 6 ، 7)
«وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ»؛ أي الظهر بحسابنا المدني، وقت القيلولة، وقت حر النهار. في هذه الساعة بالذات «جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً». ولماذا في هذه الساعة؟ ولماذا “بِئْر سُوخَارُ”، تلك القرية التي تبعد عن المدينة نحو نصف ميل؟ كانت امرأة مزواجة، وفي ذلك نقيصة كبرى، وآخر مَنْ كان معها ليس هو زوجها، فرغبة في الاختفاء عن عيون الناس، وتحسبًا لتعيراتهم، أبت على جسدها الراحة في وقدة النهار. لكنها في الواقع كانت تُقتاد اقتيادًا غير إرادي لتلتقي بكاشف الأسرار، الديَّان الذي لا تخفى عنه خافية «أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، وَأَيْنَ تَسْكُنُ». لكنها لم تجد فيه ساعتئذٍ ديَّانًا، بل إلهًا حانيًا يسعد النبي أن يقول له: «مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ».
جاءه نيقوديموس “لَيْلاً”، تحسبًا لمظنة الناس الذين كان هو “مُعلِّمًا لهم”، وبعد حوار امتد ساعات من الليل، رجع - ربما عند الفجر - مجبور الخاطر، ولئن “زرع بالدموع”، الدموع الصامتة، تأثرًا من وخزات الضمير، لكنه “حصد بالابتهاج”. وجاءته هذه التاعسة الغارقة في طين الحمأة، جاءته في ساعة القيلولة وبعد حوار بين النبي - الذي يرى ما لا يُرى - مع المسيح الذي كانت تنتظر مقدمه “ليُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ”، وعادت مجبورة الخاطر، رافعة رأسها الذي كان على مدى طويل خفيضًا منكسًا. فقد هان عليها وقد ارتوت من مُعطي الماء الحي أن تترك الجرَّة العتيدة التي طالما امتلأت من الماء “كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْه يَعْطَشُ أَيْضًا”. ومضت إلى المدينة - السامرة - لتقدم للناس الذين كانت ترهب نظراتهم الحارقة، جرعة من ذلك الماء الذي “مَنْ يَشْرَبُ مِنَه لَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ”.
الكاتب: أديب يسى
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية