«نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هَكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ» ( مت 11: 26 )
كان ربنا المعبود هو أروع مثال للخضوع والتسليم في حياته على الأرض، وقد نطق بهذه العبارة الخالدة عندما رُفضت خدمته من مُدن كثيرة، ولا شك أن الرفض كان جارحًا ومُهينًا لذاك الرقيق. وكانت هذه العبارة شعار حياته بصفة دائمة وهو يواجه ويتقبَّل الظروف المعاكسة. لقد جاء لا ليُخدَم بل ليَخدِم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين. أحب وخدم، وتعب وأفنى قدرته في صُنع الخير للآخرين. مسح دموعهم وشفى جروحهم، أراح المُتعبين وأشبع المساكين خبزًا. كان يطوف المدن والقرى يُعلِّم ويكرز ويشفي. كان كتلة حنان يتحرك وسط عالم بائس ومسكين. ومع ذلك عاش محرومًا من أبسط الحقوق وكان طريقه شائكًا. خضع ورضي وتقبَّل بسرور المسار الذي رتبته له مشيئة الآب في رحلته على الأرض. ولد فقيرًا في مزود، عاش فقيرًا في كنف يوسف النجار بإمكانيات بسيطة. في بداية خدمته جاع ولم يجد رغيف خبز واحد، وفي نهاية خدمته عطش ولم يجد قطرة ماء. عاش بلا مأوى ولا عنوان وكان يبيت في جبل الزيتون، عاش بلا نقود أو ممتلكات، عاش وحيدًا كعصفور منفرد على السطح، لم يجد من يفهمه أو يشاركه أو يتعاطف معه. عاش مرفوضًا مُهانًا ومُستهدَّفًا للعناء. وفي كل هذا قط لم يعترض أو يتذمر أو يشْكُ، لم يكِلْ ولا انكسر، بل كان يواصل الخدمة، وكان طعامه أن يعمل مشيئة الذي أرسله ويُتمم عمله، وكانت هذه سعادته أن يرى الآب راضيًا ومستريحًا بما يعمله ويُكمله. كان يجد في إشراقة الآب وابتسامته كل التعويض. قط لم يقُل: لا أو لماذا أو ليس هكذا أيها الآب، بل «نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ». ختم الرحلة بالصليب، وقال: «لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ، وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هَكَذَا أَفْعَلُ». أحنى رأسه في البستان خاضعًا قائلاً: «لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». فما أجمله! وما أجوده!
الكاتب: محب نصيف
تم تحميل محتوى هذه الصفحة بالتعاون مع موقع طعام و تعزية